صديق الحسيني القنوجي البخاري

308

فتح البيان في مقاصد القرآن

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا أي فرقناه في الإنزال ولم ننزله جملة واحدة لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين ، قيل المعنى نزلناه عليك ولم تأت به من عندك كما يدعيه المشركون ، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وشرح صدره وأن الذي أنزل عليه وحي ليس بكهانة ولا سحر لتزول الوحشة الحاصلة له من قول الكفار إنه كهانة أو سحر . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 24 إلى 31 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لقضائه ومن حكمه وقضائه تأخير نصرك إلى أجل اقتضته حكمته ، قيل هذا منسوخ بآية السيف وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً أي لا تطع كل واحد من مرتكب الإثم وغال في كفر ، فنهاه اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك . قال الزجاج : إن الألف هنا آكد من الواو وحدها لأنك إذا قلت لا تطع زيدا وعمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنك أمرته أن لا يطيع الاثنين ، فإذا قال منهم آثما أو كفورا دل ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى ، كما أنك إذا قلت لا تخالف الحسن أو ابن سيرين فقد قلت إنهما أهل أن يتبعا ، وكل واحد منهما أهل أن يتبع . وقال الفراء « أو » هنا بمنزلة لا كأنه قال ولا كفورا ، وقيل المراد بقوله : آثِماً عتبه ابن ربيعة وبقوله : أَوْ كَفُوراً الوليد بن المغيرة لأنهما قالا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي دم على ذكره في جميع الأوقات وقيل المعنى صل لربك أول النهار وآخره ، فأول النهار صلاة الصبح ، وآخره صلاة العصر ، قال البيضاوي دم على صلاة الفجر والظهر والعصر ، فإن الأصيل يتناول وقتيهما ، وفي الشهاب تناول الأصيل للعصر ظاهر ، وأما تناوله للظهر فباعتبار آخره إذ الزوال وما يقرب منه لا يسمى أصيلا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ أي صل المغرب والعشاء وقيل المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين ، ومن للتبعيض على كل تقدير والفاء دالة على معنى الشرطية والتقدير مهما يكن من شيء فصل من الليل ، وهو يفيد أيضا بتأكيده الاعتناء التام وَسَبِّحْهُ لَيْلًا